سيد محمد طنطاوي

511

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) * للتقرير - أيضا - أي : لقد جعل اللَّه - تعالى - مكر أصحاب الفيل وسعيهم لتخريب الكعبة ، في * ( تَضْلِيلٍ ) * أي : في تخسير وإبطال وتضييع ، بأن تبرهم - سبحانه - تتبيرا ودمرهم تدميرا . والكيد : إرادة وقوع الإضرار بالغير في خفية ، وسمى - سبحانه - ما فعله أبرهة وجيشه كيدا ، مع أنهم جاؤوا لهدم الكعبة جهارا نهارا . . . لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة ، أكثر مما كانوا يظهرونه ، فهم - كما قال - تعالى - : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ، وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ . . . والمقصود بالتضليل هنا : التضييع والإبطال . تقول : ضللت كيد فلان ، إذا جعلته باطلا ضائعا . ثم بين - سبحانه - مظاهر إبطاله لكيدهم فقال : * ( وأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ) * . والطير : اسم جمع لكل ما من شأنه أن يطير في الهواء ، وتنكيره للتنويع والتهويل ، والأبابيل : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل هو جمع إبّالة ، وهي حزمة الحطب الكبيرة ، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامنها وتلاصقها . أي : لقد جعل اللَّه - تعالى - كيد هؤلاء المعتدين في تضييع وتخسير . . . بأن أرسل إليهم جماعات عظيمة من الطير ، أتتهم من كل جانب في تتابع ، فكانت سببا في إهلاكهم والقضاء عليهم . . . وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ . وجملة : « ترميهم بحجارة من سجيل » بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن اللَّه - تعالى - ، وهي حال من قوله * ( طَيْراً ) * ، والسجيل : الطين اليابس المتحجر . . . قال بعض العلماء : قوله : * ( تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) * أي : من طين متحجر محرق . أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون في السجيل ، وهو الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن السجيل هو الديوان الذي كتبت فيه أعمالهم . واشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال . وعن عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها كالحمّصة ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها ، خرج به الجدري ، وكان ذلك أول يوم رئي فيه الجدري بأرض العرب . وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أي : احترق - ، فكان ذلك أول الجدري . وقيل : إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام . وقال ابن جزى في تفسيره : إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله .